الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
162
تفسير روح البيان
فيذهب ماؤه عند الخلق وعند الحق لقوله تعالى وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها اى نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لاحكام ربها ليس منها طلب غير اللّه ولا مقصد لها الا اللّه كما وصفهم اللّه تعالى بقوله لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله إِلْحافاً فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ يشير إلى أن ذبح النفس ليس من الطبيعة الانسانية فمن ذبحها من الصادقين بسيف الصدق كان ذلك من فضل اللّه تعالى وحسن توفيقه فاما من حيث الطبيعة فما كادوا يفعلون وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً هذا مؤخر لفظا مقدم معنى لأنه أول القصة اى وإذ قتلتم نفسا وأتيتم موسى وسألتموه ان يدعو اللّه تعالى فقال موسى ان اللّه يأمركم الآيات ولم يقدم لفظا لان الغرض انما هو ذبح البقرة للكشف عن القاتل وأضيف القتل إلى اليهود المعاصرين لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لرضاهم بفعل أولئك وخوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم والقتل نقض البنية الذي بوجوده تنتفى الحياة والمعنى واذكروا يا بني إسرائيل وقت قتل اسلافكم نفسا محرمة وهي عاميل بن شراحيل فَادَّارَأْتُمْ فِيها أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع اى تدافعتم وتخاصمتم في شأنها إذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر اى يدفع الفعل عن نفسه ويحيل على غيره وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ اى مظهر لا محالة ما كنتم وسترتم من امر القتل لا يتركه مكتوما مستورا * فان قلت كيف اعمل مخرج وهو في معنى المضي * قلت قد حكى ما كان مستقبلا في وقت التدارئ كما حكى الحاضر في قوله باسِطٌ ذِراعَيْهِ فَقُلْنا عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض اضْرِبُوهُ اى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان بِبَعْضِها اى ببعض البقرة أي بعض كان أو بلسانها لأنه آلة الكلام أو بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق أو بغير ذلك من الأعضاء والبعض أقل من النصف والمعنى فضربوه فحيى فحذف ذلك لدلالة قوله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى - روى - انه لما ضربوه قام بإذن اللّه وأوداجه تشخب دما وقال قتلني فلان وفلان لا بنى عمه ثم سقط ميتا فاخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ثم إن موسى عليه السلام أمرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه نفيا للتهمة كيلا ينسب إلى السحر أو الحيلة كَذلِكَ على إرادة القول اى فضربوه فحيى وقلنا كذلك فالخطاب في كذلك للحاضرين عند حياة القتيل اى مثل ذلك الاحياء العجيب يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى يوم القيامة * فان قلت إن بني إسرائيل كانوا مقرين بالبعث فما معنى إلزامهم بقوله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى * قلت كانوا مقرين قولا وتقليدا فثبته عيانا وإيقانا وهو كقول إبراهيم عليه السلام وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويجور ان يكون الخطاب لمنكري البعث في زمان النبي عليه السلام والحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ إلى تقدير القول بل تنتهى الحكاية عند قوله تعالى ببعضها وَيُرِيكُمْ آياتِهِ دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شئ قدير لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقال عقلت نفسي عن كذا اى منعتها منه اى لكي تكمل عقولهم وتعلموا ان من قدر على احياء نفس واحدة قدر على احياء الأنفس كلها وتمنعوا نفوسكم من هواها وتطيعوا اللّه فيما يأمركم به ولعل الحكمة في اشتراط ما اشترط في الاحياء من ذبح البقرة وضربه ببعضها مع ظهور كمال قدرته